محمد عبد الله دراز
194
دستور الأخلاق في القرآن
الحديث عندها ، لنقول كلمة عن المغزى الحقّ لهذا التّدريج ، فيما يتعلق بالمعفو عنه ، والمباح القرآني ، فلا ريب أنّ المباح بالمعنى الصّحيح إنّما يتناول الأعمال الّتي لا دخل فيها للأخلاق « 1 » . أمّا فيما يتعلق بالمعفو عنه فيجب أوّلا أن نبعد الفكرة الّتي تجعل منه رخصة ببعض ما يمس الأخلاق ، رخصة ببعض الميول ، والأهواء لدى كلّ فرد . إنّ ذلك سوف يكون إنكارا مسبقا للأخلاق ذاتها ، الّتي هي بحسب التّعريف ( قاعدة السّلوك ) ، فما ذا يكون - على الحقيقة - الالتزام بقاعدة ، إن لم يكن التمسك الصّارم بها ، وعدم الخضوع للمغريات الّتي تصد عنها ؟ ! . . ولكن . . ها هو ذا وضع المسألة : فإذا ما وجد نوع من المشقة ، ووقف القرآن أمامها صلبا لا يتزعزع ، ثم وجدناه يحثنا على أن ننتصر عليها بأي ثمن - فذلك هو ما يستتبع على وجه التّحديد مقاومتنا لميولنا ، إذ يجب أن نختار بين طاعة اللّه ، وبين الخضوع للرغبات الجامحة ، ومن ثمّ قال اللّه سبحانه وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ « 2 » ، وقال . فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا « 3 » ، وقال : وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ « 4 » . فلم يكن المعفو عنه في القرآن - إذن - لكي ننحرف أمام أهوائنا ، وإنّما هي بكلّ بساطة وصدق مسألة مراعاة للواقع المحسوس الّذي يجري فيه نشاطنا ،
--> ( 1 ) فمثلا : تناول طعام معين أو غيره - كلاهما صواب ، وهما سواء صحة ، وطهارة . ( 2 ) ص : 26 ( 3 ) النّساء : 135 ( 4 ) القصص : 50 .